تونس – فريق تحرير 24Tounes
استيقظت تونس العاصمة اليوم، الأربعاء 14 جانفي 2026، على وقع ذكرى استثنائية في تاريخها الحديث. إنها ذكرى الثورة 14 جانفي 2026، الحدث الذي غير وجه المنطقة بأسرها. خمسة عشر عاماً مرت منذ أن غادر الرئيس الأسبق البلاد، وفُتحت صفحة جديدة مليئة بالآمال، التحديات، والمنعطفات السياسية الحادة.
في “الشارع الرمز”، شارع الحبيب بورقيبة، بدأت الحركة منذ الساعات الأولى للصباح. الطقس البارد والمغيم جزئياً لم يمنع آلاف المواطنين من التوافد، حيث امتزجت الأعلام الوطنية الحمراء والبيضاء بالشعارات المرفوعة، راسمة مشهداً يعيد للأذهان زخم السنوات الأولى للثورة، ولكن بنكهة مختلفة تماماً تطغى عليها “الواقعية الاقتصادية”.
تعزيزات أمنية وتنظيم محكم شهد محيط وزارة الداخلية والمسرح البلدي تعزيزات أمنية مكثفة ولكنها مرنة، حيث سعت الوحدات الأمنية لتأمين المسيرات المختلفة وتفصل بين التجمعات السياسية المتباينة لتجنب أي احتكاك. وقد لاحظ موفد “24 تونس” انتشاراً واسعاً للحواجز الحديدية التي نظمت تدفق المتظاهرين القادمين من ساحة الباساج ومن جهة شارع محمد الخامس. التنظيم بدا أكثر انضباطاً مقارنة بالسنوات الماضية، مما يعكس حالة من النضج في التعامل مع “الشارع” كفضاء للتعبير السلمي.
الشعار الأبرز: “الخبز والكرامة” أولاً خلافاً للسنوات العشر الأولى التي طغت فيها الشعارات السياسية والمطالبة بالحرية والديمقراطية، تميزت مسيرات 14 جانفي 2026 بطابع اجتماعي واقتصادي بحت. “المقدرة الشرائية خط أحمر”، “تشغيل الشباب أولوية قصوى”، و”نريد اقتصاداً قوياً”.. كانت هذه أبرز اللافتات التي رفعها المحتجون أمام المسرح البلدي.
وفي حديثه لـ”24 تونس”، قال (محمد.س)، وهو أستاذ تعليم ثانوي متقاعد: “نحن هنا اليوم لا لنحتفل فقط، بل لنذكّر بأن أهداف الثورة في الشغل والكرامة الوطنية لم تتحقق بالكامل بعد. الحرية مكسب لا رجعة فيه، لكن البطون الجائعة تحتاج إلى حلول جذرية. تونس في 2026 يجب أن تكون ورشة اقتصادية كبرى.”
ذكرى الثورة 14 جانفي 2026: رؤية الشباب لمستقبل تونس
الشباب.. الحاضر الغائب الملاحظة الأبرز في مظاهرات اليوم كانت الحضور الشبابي المتفاوت. فبينما سيطر الكهول والناشطون السياسيون المخضرمون على المشهد في شارع بورقيبة، اختار جزء كبير من الشباب التعبير عن آرائهم عبر منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال فعاليات ثقافية موازية في “مدينة الثقافة” وفضاءات فنية خاصة. تقول (سارة.ب)، طالبة ماجستير في الاقتصاد الرقمي (23 عاماً): “نحن كجيل جديد، نرى أن الثورة الحقيقية اليوم هي ثورة تكنولوجية واقتصادية. لم نعد نؤمن بالهتافات فقط، نريد تأسيس شركات ناشئة، نريد ‘باي بال’ تونسياً كاملاً، ونريد قوانين تشجع الابتكار لا البيروقراطية. حضوري اليوم رمزي، لكن معركتي الحقيقية هي بناء مستقبلي في تونس وليس الهجرة.”
الوضع السياسي: رسائل مشفرة على الجانب السياسي، استغلت الأحزاب والمنظمات الوطنية هذه الذكرى لتوجيه رسائل للسلطة القائمة. الاتحاد العام التونسي للشغل، عبر ممثليه الحاضرين، جدد تمسكه بالحوار الاجتماعي كسبيل وحيد للخروج من الأزمات، محذراً من أي خطوات قد تمس بمكاسب القطاع العام. في المقابل، رفعت مجموعات أخرى شعارات مساندة لمسار المحاسبة ومكافحة الفساد، مطالبين بتسريع البت في الملفات القضائية العالقة واسترجاع الأموال المنهوبة لدعم ميزانية الدولة لعام 2026.
ذكرى للمراجعة والتقييم ما يميز 14 جانفي 2026 هو غياب الاحتفالات الكرنفالية الصاخبة لصالح أجواء من “التأمل الوطني”. يبدو أن التونسيين بعد 15 عاماً قد وصلوا إلى قناعة بأن البناء أصعب بكثير من الهدم. النقاشات الجانبية في المقاهي المحيطة بالشارع الرئيسي تدور كلها حول سعر الصرف، ونسب التضخم، وموسم السياحة القادم، ومشاريع الطاقات المتجددة في الجنوب.
ختاماً: الأمل يظل قائماً رغم الصعوبات، ورغم النقد اللاذع للوضع العام، تظل الراية الوطنية هي المظلة التي تجمع الجميع. مشهد النشيد الوطني وهو يُعزف بشكل جماعي في ختام المسيرات عند الساعة الواحدة ظهراً، كان لحظة مؤثرة جداً، تؤكد أن تونس، ورغم كل العواصف، تظل عصية على الانكسار. في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من قرارات حكومية وتطورات سياسية، يظل 14 جانفي تاريخاً مفصلياً يجدد فيه التونسيون العهد مع وطنهم، مطالبين بغدٍ أفضل لأبنائهم.
